المؤلف

عمرو خليفة النامي

عمرو خليفة النامي

المستشار عبد الله العقيل

أستاذ الجامعة وراعي الغنم!

(1360 ـ 1406هـ = 1940 ـ 1986م)

مولده ونشأته:

ولد في مدينة (نالوت) في ليبيا، ونشأ في أسرة محافظة تحرص على العلم، وتتمسك بأهداب الدين، وتعمل على تنشئة أبنائها على قيم الإسلام، والالتزام بتعاليمه، وقد تتلمذ عمرو النامي على مشايـخ كثيرين من أهمهم الشيخ علي يحيى معمر من فقهاء الإباضيـة الكبـار في ليبيا، ثم بعد إكمـال مراحله الدراسية، التحق بالجامعة الليبية في بنغـازي حيـث كان أستـاذه الدكتور محمد محمد حسين الذي اهتمَّ برعايته وتوجيهه حتى تخرج فيها سنة 1962م، ثـم ذهب إلى مصر للدراسات العليا، ولكـن النظـام الناصري العسكري الديكتاتـوري شـنَّ حرباً ضروساً على الإسـلام وعلى العاملين للإسلام، وخاصـة الإخوان المسلمين، وجرت الاعتقالات للآلاف منهم، مما جعله يصـرف النظر عن الدراسة في مصر، ويغادرها إلى ليبيا، ليوفد بعـدها إلى بريطانيا للدراسة بجامعة كامبردج، وتخرج فيها سنة 1971م بتفوق وامتياز.

والأستاذ عمرو النامي من شباب الإخوان المسلمين العاملين في حقل الدعوة الإسلامية في وقت مبكر من شبابه، فقد اتصل بهم، وارتبط معهم، وظلَّ على وفائه والتزامه ولم تزده السجون المتتابعة إلا تمسكاً وثباتاً على الحق الذي يؤمن به، ويجاهد في سبيل تحقيقه، وهو إعلاء كلمة الله في الأرض، وسيادة شريعة الإسلام، ورفع راية القرآن، وتوحيد الأمة الإسلامية على منهج الكتاب والسنة، والتصدي لأعداء الملة والدين.

أساتذته وزملاؤه:

من أهم الأساتذة الذين تلقى على أيديهم العلم والفكر والدعوة: العالم الليبي الكبير، الداعية الشيخ علي يحيى معمر، والعالم المصري الأديب الكبير الداعية الدكتور محمد محمد حسين، فكلا الرجلين كان له تأثير على ثقافته وشخصيته وتوجهاته الإسلامية، وكانا معجبين بذكاء تلميذهما وصدقه وإخلاصه وصفاء قلبه وغيرته على حرمات الدين والأمة والوطن، وجدّه واجتهاده، في تلقي العلم منهما بكل إقبال واستيعاب. فقد كان لمَّاحاً، صافي الذهن، سريع الحفظ، نهماً في القراءة، مقبلاً على العلوم بكل طاقته، يستغرق الساعات الطوال في البحث والدراسة، دونما تعب أو ملل، وهذا شأنه في الليل والنهار، في الحضر والسفر، في السجن وقاعات الدرس، في البيت وفي المسجد، إنه آية من آيات الله في شباب هذا العصر الذي عرف طريقه إلى الله، وسار فيه دونما تردد.

أما زملاؤه، فكان منهم محمود الناكوع، ومصطفى المنقاري، وصادق النيهوم، وهؤلاء كان لكل منهم شخصيته الثقافية وسلوكه الاجتماعي واختياره الفكري، الذي باعد فيما بينهم وبخاصة صادق النيهوم الذي كان على طرفي نقيض مع الدكتور عمرو النامي صاحب الاتجاه الإسلامي والفكر الملتزم، والسائر في ركب الحركة الإسلامية المعاصرة التي تدعو إلى استئناف الحياة الإسلامية، وتحكيم الإسلام في شؤون الحياة، والعمل الجاد لقيادة ركب الإنسانية إلى المنهج الحق، منهج الإسلام، الدين الخاتم الذي ارتضاه الله لنا وللبشرية جمعاء، بينما كان زميله النيهوم يردد مقولات الفرق الباطنية.

أهم مؤلفاته:

ظاهرة النفاق في إطار الموازين الإسلامية.

ديوان شعر.

تحقيق كتاب (أجوبة ابن خلفون).

من هم الإباضية؟

الحضارة الغربية وموقفها من الإسلام والعالم الإسلامي.

فصول من الجد الهازل (نقد الشعر الحديث).

رمز أم غمز في القرآن؟ (رد على كتابات صادق النيهوم).

كلمات للثورة.

وغيرها من البحوث والمقالات والندوات والمحاضرات.

نماذج من شعره:

بعد سجنه لمدة سنتين، طُلب منه أن يغادر الوطن إلى اليابان سنة 1979م فكانت هذه الأبيات.

ودعت دارك رغم الشوق للدار

والدار ذات أحاديث وأخبار

يا دار أمسيت بالأحزان غامرة

تهدي همومك من دار إلى دار

نفسي الفداء لأرض عشت محنتها

ثم ارتحلت وحيداً غير مختار

مبدَّد الحول لا زاد ولا أمل

إلا علالات أفكار وأشعار

أنى ارتحلت فإن القلب يعطفني

إلى الأحبة في شوق وإصرار

بالأمس كنتَ عرينَ المجدِ يا وطني

وتدرج الفضل في سهل وأوعار

رفعت ألوية للفخر عالية

وصغتَ آثار مجدٍ أيَّ آثار

وأمهرتْ أرضك الأبطال من دمها

تسخو به بين أنجاد وأغوار

واليوم لا شيء غير الحزن يا وطني

وغير أناتِ أطيار لأطيار

وله قصيدة بعنوان: «يا ليلة العيد» نذكر منها:

حُمّ القضاء وسُدت دونك الطرق

وغصَّ بالغيم في أجوائك الأفق

وبدد السحب إعصار الهموم فلم

يجد عليك بها طل ولا غدق

كنا نؤمل فجراً مشرقاً غده

فقد أطل كئيباً بعده الشفق

ما كنتُ أحسب أن الحزن يغمرنا

وأننا بعد طيب العيش نفترق

وأن دهراً أمنَّا من حوادثه

جاءت بوادره كالسيف يمتشق

ذابت نعال أحبائي ورفقتهم

من الطواف وغصَّت منهم الطرق

طافوا على كعبة السلطان في أمل

ويمموا بابه الموصود واستبقوا

قد أدمنوا قرع أبواب الرجاء وقد

كلّت أكفهم من طول ما طرقوا

ولا مجيب فما بالدار من أحد

فالظلم يغمرها والطيش والنزق

كنا نظن بهم خيراً فقد حبسوا

ما نرتجيه فهم بالشر قد سبقوا

نفسي فداء أحبائي فقد عصفت

بهم وبي خلجات كلها حرق

أنا هنا رهن قضبان تقيدني

قلبي حزين وجفني غائم شرق

وهم على البعد في قيد يكبلهم

من شوقهم ودموع العين تأتلق

نذوب شوقاً وحزناً لا رجاء لنا

إلا إلى الله يرفو بعض ما فتقوا

يا ليلة العيد كم أقررتِ مضطرباً

لكن حظ بنيّ الحزن والأرق

ما كنت أحسب أن العيد يطرُقنا

والقيد في الرسغ والأبواب تصطفق

وبعد السجن والإبعاد قرر أن يترك العمل الجامعي، ويهجر التدريس، ويهجر المدن، ويزاول مهنة رعي الأغنام، حيث اشترى قطيعاً من الأغنام يرعاه خارج المدن، يقول:

يكفي أباكِ لكي يعيش مكرماً

عجفاء ثاغية وتيس أجرب

ونعيش في قنن الجبال تظلنا

ويحيطنا بالحفظ قفر سبسب

جيراننا وحش الفلاة فلا يرى

فيها سوى سبع يسيح وثعلب

وهناك لا نخشى سوى ذئب الغضا

يعدو على تلك الشياه فينهبُ

والوحش وحش لا يلام لبطشه

هو في طبيعته يغير ويغصب

فلقد نعيش هناك عيشة هانئ

ولقد يسالمنا الشجاع المرعب

معرفتي به:

عرفت الأخ الداعية الدكتور عمرو خليفة النامي من خلال زملائه بجامعة كامبردج حين زرتهم ببريطانيا وهم الإخوة الدكاترة: أحمد محمد العسال من مصر، وحسن عبدالحميد صالح من فلسطين، ومبارك سعود العبيدي من الكويت، وكلهم من دعاة الإخوان المسلمين ببريطانيا.

لقد حدثني هؤلاء الإخوة عن شخصية الأخ عمرو النامي وما يتميّز به من أخلاق عالية وحسن معاملة، ونبوغ علمي، وإتقان للغة الإنجليزية، وفقه دعوي ونشاط طلابي واجتماعي، وقدرة حوارية مع الآخرين، وتمسّك بالدين، وصلابة في المواقف، مما حبّبني به، ورغّبني في الاجتماع به، وكان ما تمنيّت، فقد سعدتُ به بالكويت وزارني في بيتي، ووجدت فيه من الصفات أكثر مما سمعتُ، وبخاصة التزامه بالإسلام، وضرورة العمل الجماعي، وارتباطه الحركي بجماعة الإخوان المسلمين باعتبارها الصورة الصادقة عن الإسلام في هذا العصر، والتي أثبتت جدارتها وكفاءتها وصلابة مواقفها في مواجهة الطغاة وتحدي الباطل، واستعصاءها على الذوبان وعدم خضوعها لمطالب السلطان، رغم التضحيات الجسام التي قدمتها من رجالها وقادتها في ميادين المعارك في فلسطين، وقناة السويس، وسجون الطغاة، وعلى أعواد المشانق.

فلم تلن قناتها، ولم يهتزّ اقتناعها، بل صبرت وصابرت، وثبتت على مواقفها، واستمرت في عطائها وتتابعت الأجيال في مسيرتها، كلٌّ يسلم الراية إلى من بعده مرفوعة شامخة واضحة بيِّنة لا لبس فيها، ولا غموض، لأنها مستمدة من مشكاة الكتاب والسنَّة، وما أجمع عليه سلف الأمة. ولأنها صدى لدعوة الرسول صلى الله عليه وسلم، وامتداد لقافلة الدعاة إلى الله من عصر الرسالة وإلى يومنا هذا، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وهذا ما كان يبحث عنه الدكتور عمرو النامي حين ذهب إلى مصر سنة 1962م بعد تخرجه في الجامعة الليبية التي استفاد فيها من أستاذه الدكتور محمد محمد حسين. وعندما توجه إلى بريطانيا لنيل شهادة الدكتوراه، وجد ضالته في الإخوان المسلمين الدارسين في كامبردج فسار وإياهم في طريق الدعوة إلى الله، والعمل لخدمة الإسلام والمسلمين، واستئناف الحياة الإسلامية، وجمع الناس على كلمة التوحيد وتربيتهم على مبادئ الإسلام.

والحق يقال: إن الأخ عمرو النامي صورة صادقة عن المسلم العامل، والداعية المجاهد الذي لا يكل ولا يمل من العمل الدؤوب في الدعوة الفردية والمحاضرات والندوات والحوارات، وتقديم الصورة المشرقة المضيئة عن الإسلام، وعن الدعاة العاملين في هذا العصر.

ومما زاد من تأثيره وإعجاب الآخرين به، هذا الشعور الفيّاض، والعاطفة الصادقة، والبيان السهل، والمنطق العذب الذي يظهر في كلماته وحواراته ومحاضراته وأشعاره، فقد كان يأسر القلوب بأسلوبه وعاطفته وصدق كلماته وصراحته وقوة بيانه.

وتلك هي الصفات التي وجدتها فيه وشدتني إليه، رغم تواضعه الجمّ، واعتبار نفسه من التلامذة في ركب كبرى الحركات الإسلامية المعاصرة، رغم المواصفات القيادية التي تؤهله للصدارة في أكثر من ميدان.

من أقواله: «إن مهمة الجيش في الثورة هي مهمة استثنائية محدودة، يعقبها تسليم السلطة إلى الشعب، وهو الذي يختار أسلوب حياته السياسي والاجتماعي في الفترة القادمة، وإن الاتجاهات القائمة في البلاد كالقوميين العرب، والبعثيين، والناصريين، والشيوعيين، والإسلاميين، هي تجمعات غالب الظن أنها لن تتخلى عن اتجاهاتها القائمة، بل ستستمر في ارتباطاتها بهذه الاتجاهات والدعوة إليها، ونحن نعتقد أن لها جميعاً حقاً كاملاً في اعتناق أفكارها، وعرضها في نطاق الأخلاق العامة للشعب، بعيداً عن التراشق بالتهم، والكذب والإرجاف، ويجب أن تتاح الفرصة الكاملة لهذه التجمعات للتعبير عن أفكارها، وعرضها بكل الصور المشروعة التي تختارها.

إن الإسلام هو الأصل، وهو الأساس في إحداث الإصلاح المنشود في ليبيا، فلا توجد في ليبيا عقيدة غير عقيدة الإسلام».

قالوا عنه:

يقول عنه الأستاذ محمود محمد الناكوع:

«هو مثقف واسع الاطلاع، داعية للحرية، منافح عن الثقافة الإسلامية، يتمتع بذكاء أهله لدرجة المتفوقين في الدراسات الأدبية العليا، تخرج في الجامعة الليبية سنة 1962م بقسم اللغة العربية، ثم ذهب إلى بريطانيا للدراسات العليا، وتخرج في جامعة كامبردج سنة 1971م، بعد أن تعذّر عليه البقاء بمصر بسبب أحداث سنة 1965م، واعتقالات الإخوان المسلمين وعلى رأسهم سيد قطب، فكانت بعثته إلى بريطانيا بجهود مدير الجامعة الليبية آنذاك مصطفى بعيّو الذي قدّر ظروف عمرو النامي وساعده بتحويل بعثته إلى بريطانيا بدل مصر.

لقد كان الدكتور محمد محمد حسين شديد الإعجاب بذكاء عمرو النامي فاهتم به وشجعه على المضي في طريق البحث والدراسة حتى يصبح أستاذاً جامعياً، وجمعت بين الأستاذ وتلميذه رابطة المنطلق والتوجه الإسلامي.

وفي صيف سنة 1971م عاد من بريطانيا إلى ليبيا ليحقق حلمه، وليقف على منابر الفكر والعلم كاتباً وشاعراً وأستاذاً جامعياً، وبدل أن تفتح أمامه أبواب هذه المنابر، استقبلته مراكز الشرطة، وغرف التحقيق، ومنها إلى المعتقل، ثم أفرج عنه بعدها. وفي سنة 1973م جرت اعتقالات موسّعة تحت شعارات «الثورة الثقافية»، و«من تحزّب خان» و«الثورة الإدارية»، وكان عمرو النامي واحداً من مئات المعتقلين من المثقفين والطلبة، وكنتُ أنا أحد المعتقلين في السجن الذي دام قرابة سنتين، وبعد الإفراج عنه، طُلب منه أن يغادر البلاد إلى اليابان، ولأنه شديد الحب لوطنه ولأهله ولمرابع طفولته وشبابه وذكرياته، لم يطق حياة الاغتراب، فعاد إلى البلاد، هاجراً العلم والتدريس إلى مهنة رعي الأغنام بعيداً عن منكرات السياسة، وفوجئ مرة ثالثة بأبواب السجن تفتح أمامه سنة 1981م، وانقطعت أخباره عن أهله وأصدقائه منذ سنة 1984م ولا يعرف مصيره حتى الآن».

ويقول عنه الأستاذ سلطان بن مبارك الشيباني:

«إن الدكتور عمرو خليفة النامي رجل مناضل، ذهب ضحية فكره الإسلامي، ورؤاه الأصيلة، وإخلاصه في الدعوة، وهو باحث أديب، ومفكر إسلامي من ليبيا، وطئت أقدامه أرض مصر والسعودية والكويت وتونس والجزائر والمغرب وبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية والهند واليابان والفلبين وماليزيا، وجاب شرق المعمورة وغربها، داعياً إلى الله بما عنده، من دماثة في الخلق، وحسن في التعامل، وإتقان للغة الإنجليزية.

وارتبط بعلاقات عدة مع معاصريه وساعدته سنوات الدراسة في جامعة كامبردج على الخصوص في تكوين صلات متنوعة مع أهل العلم وأرباب الفكر وروّاد الحركات الإسلامية من مختلف الأجناس واللغات والقارات.

وقد ترك أثراً طيباً في الأوساط الإسلامية، وقدم خدمات جلى للحركة الإسلامية، لا سيما في الميدان الطلابي والشبابي الإسلامي، وكانت له مشاركة في إحياء ودعم بعض المؤسسات الاجتماعية الخيرية، كما كان عضواً فعالاً في جماعة الإخوان المسلمين وعضواً مؤسساً ونشيطاً في دار الدعوة بليبيا.

أما آثاره فتنوعت بين تأليف وتحقيق وتقديم، ومع أنه ألفها في ظروف صعبة، فقد جاوزت العشرين وكتب مقالات كثيرة نشرت في الصحف الليبية وغيرها، كما ترك مراسلات متعددة، وقصائد وأشعاراً لو جمعت لكوَّنت ديواناً.

وقد قضى خمسة عشر عاماً بعد تخرجه إما مضطهداً ملاحقاً في بلاده من مراكز الشرطة إلى غرفات التحقيق ومنها إلى زنازين السجون والمعتقلات، أو منفياً مغرَّباً عن أهله ووطنه رغماً عنه.

وكان آخر صدى لذكره سنة 1404هـ 1984م عندما نقل إلى سجن خاص، وانقطعت أخباره وعزل عن العالم في مصير مجهول لا يدرك مداه سوى الله سبحانه وتعالى».

وفاته:

في النظم الدكتاتورية كثيراً ما يُعتقل الأشخاص ويغيّبون في أقباء السجون لسنين طويلة، دون أن يُعلم عنهم شيء، وكثيرون منهم يفارقون الحياة تحت سياط التعذيب، ويدفنون في الرمال، دون الإخبار عن وفاتهم، وهذا ما حصل للأخ المجاهد الداعية الدكتور عمرو خليفة النامي الذي اختفت آثاره بعد سجنه، وانقطعت أخباره من سنة 1984م.

نسأل الله أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يدخله جنته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً، والحمد لله رب العالمين.

كتب للمؤلف في المكتبة
دراسات عن الإباضية